البحث عن أمل بين ركام الموت




هل يعقل أن يبحث شاب في مقتبل عمره عن أمل وسط رائحة الموت؟!!

هل يعقل أن يغامر شاب في بداية حياته ويلقي بنفسه إلى ظلمات الموت؟!

!هل يعقل أن يترك هذا الشاب بيته وأهله وبلده ويستقل زورق ليشق به أمواج البحار وسط مصير مجهول؟!!
كارثة غرق مركبي الصيد اللتين كانتا تقلان 184 شابًا إلى إيطاليا بطرق غير شرعية لم تكن أول حادثة من نوعها ولن تكون الأخيرة فهؤلاء الشباب الذين يغامرون بحياتهم من أجل السفر والعمل للخارج يموتون في بلادهم كل يوم يموتون من الفقر والجوع والاحتياج والذل في قراهم ومراكزهم التي لا ترى النور، و المحرومة من الخدمات !!!!

!أحمد ... هو أحد ضحايا هذه الكارثة............

مرت السنوات على أحمد ليجد نفسه يقترب من الثلاثين ويعجز عن مساعدة أمه التي تعمل خادمة في البيوت ويفشل في البحث عن أي فرصة عمل في قريته ليسمع من أحد سماسرة تهريب الشباب عن إمكانية تسفيره إلى إيطاليا مثل محمد جاره الذي عاد بعد عدة سنوات ليبني البيت ويشتري الأرض ويتزوج ويقدم الشبكة ويعالج أبوه المريض كل ذلك في مقابل أن يدقع 10 آلاف جنيه لهذا السمسار .

أسرع أحمد واستدان المبلغ من الأهل والجيران والأصدقاء فهذا يدفع مائة وهذا مائتان وهذا ألف لمساندة هذا الشاب الذي تحطمت أحلامه ووجد أخيرًا بارقة أمل تلوح له على سواحل إيطاليا.وبالفعل جمع المبلغ واعدًا أهله وأصدقاءه بأنه سيعيده لهم عندما تطأ قدماه الأراضي الإيطالية ولكن لم يمهله القدر فلم يطأ الأراضي الإيطالية وإنما استقرت جثته في قاع المياه الإيطالية !! بعد أن غرق به المركب الذي يحمل 184 أحمد استدانوا ليهاجروا إلى إيطاليا ويعملوا ويخرجوا من دائرة الفقر....!!!!

وعاد أحمد ... لا ليرد ديونه لأهله ولا ليخفف عن أمه وحدتها بعد أن تركها ولكن عاد في نعش لتتسلمه أمه وسط صراخ وعويل أهل القرية على ضياع ولدهم وأموالهم معه ... وبعد كل هذا اتهم البعض أحمد بأنه يبحث عن الثراء السريع !!!!

أتهموه بالطمع والجشع لأنه حاول أن يعيش ويخرج من الظلام الذي يعيشه!!!

أتهموه بأنه ترك مساعدات الحزب الوطني!! ولجنة السياسات والصندوق الاجتماعي للتنمية وفضل الهروب على متن قارب حقير ليستقر به في قاع البحر المتوسط !!!!

هذه هي قصة أحمد الشاب الريفي الذي يعيش في قرية مصرية لا يصلها إرسال التليفزيون الذي كان يبث وقت غرق أحمد انجازات الحزب الوطني والحكومة، وأرقام الحكومة التي تفيد بتوفير مليون ونصف فرصة عمل للشباب لم يجد أحمد من بينهم فرصة واحدة تناسبه!!!!


علياء عبد الفتاح